مشغولة جداً

April 30, 2008

-يبدو أنّ صيفكِ مزدحمٌ جداً هذه السنة ! “

هكذا علّقتْ أمّي على حركتي السريعة هذا الصباح، أيقظني هاتفي، رفعتُه بسرعة وتمتمت: حسناً..سأوافيك هناك في أقرب وقت.

قفزتُ من السرير إلى غرفة الفطور مباشرةً .. أسابقُ الوقت وأحشر الطعام دون أن أمنحه مضغاً كافياً، لم أدع مجالاً لتبادل مجاملات الصباح والسؤال عن الحال، “لديّ يومٌ متخمٌ بالمواعيد” هكذا أجيب على أيّ سؤال يُطرح عليّ، كنت أمسك الطعام بيدٍ و أمسك القلم بالأخرى لأنظّم أحداث يومي وأقسّم العشر ساعات المتاحة من العاشرة صباحاً حتى الثامنة مساءً قبل أن تُصرّح أمي بعواقِب غضبها لعدم إلتزامي بوعودي .. اتّسختْ الورقة بلقيماتٍ من فطوري ولم أهتم، تناهى إليّ صراخَ أخي من على عتبةِ الغرفة:

- هيييه هذا مقعدي، بسرعة باص النادي ينتظرني

لم أرفع رأسي لأراه ولكنّي أعرف مسبقاً بحكمِ الخبرة أنه يُقوّسُ خصره بيديه عاقداً حاجبيه في منظرٍ أكبر من عمره الذي لم يتجاوز الثانية عشر بعد، أجبتُ ببرود: لستَ الوحيد صاحب الأعمال هنا، ألا ترى أنّ مواعيدي أكثر وأهمّ، تحمّل هذا اليوم ولوّث كرسياً آخر!

زمجر وربما ذهبَ ليُفرغ غضبه على حِجْرِ أمي .. لم أهتم !

انتهيتُ من الفطور سريعاً، ثم التقطتُ حقيبتي من الخزانة وأمي تسألني عن مخططاتي هذا الصيف وإن كنتُ سأمضي الليل معها عند جدتي؟ .. قطعتُ حديثها بـ لا حازمة، ثم خرجتُ من المنزل: لم يكن ينقص وقتي إلا زيارةً للمسنين !

أغلقتُ الباب خلفي بعنفٍ متعمّد .. نظرتُ أتأكد من إغلاق النوافذ ثم بدأتُ أخفف من خطواتي قليلاً .. حتى بدتْ أقرب إلى التسكّع عندما ظهرتْ جارتنا في وجهي ونظرةُ دهشةٍ أكبر من كرشها المستدير:

- فاطمة !! ما الجديد في هذا الصيف ليُخرجكِ من قلعتكِ الحصينة ؟!

رددتُ تهكّمها بنظرةِ تحدّي: لديّ موعد .. في حين كنتُ أباعد بين خطواتي،

قررتُ التخلّي عن فكرة التسكّع وتحليل وجوه المارّة فواصلتُ الهرولة، وكنتُ إذا غلبني التعب أخرجتُ الهاتف النقّال ووضعته على أذني ولوّحتُ بذراعيّ كما لو كنتُ مندمجةً في حديث !

وعندما وصلتُ إلى المطعم بعد الوقتِ التي قررتُه في نوتة مواعيدي بعشر دقائق فقط، مسحتُ المطعم بنظري، ثم اخترتُ طاولةً في ركنٍ قصيٍّ مظلم، وضعتُ حقيبتي وجلست..

بدأتُ بتقليب قائمة الطعام، ثم العبث بالشوك والسكاكين، في حين كانت الدقائق تتلذذُّ بالزحفِ فوق جبيني، والمضيّ في تصويرٍ بطء !

بدأتُ أتلفّت وأتفرّس في الوجوه القادمة، علّ الريح تحمل صديقاً قديماً قاده الجوع إلى هنا، أو جاء بموعدٍ خلفه الطرف الآخر، أو ربّما زوجة حزينة خرجتْ من منزلها إثر شجارٍ حاد مع زوجها وترغبُ في قلبِ غريبٍ يستمع ثم ينسى .. وكانت الريح تخذلني وتأتي بهم مثنى وثلاث ورباع، يملئون حقائبهم بالحكايا ويُزيّنون آذانهم برنينِ الضحكات ..

تذكرتُ رنّة هاتف الصباح والتي لم تكن سوى منبّه أوجاعي .. تذكرتُ أخي الصغير ومواعيده وأصدقائه التي لا يفتأ يركلني بهم صباحَ مساء، وتذكرتُ جارتنا وهي تأتي عصراً لتشرب الشاي عند أمي وتتساءل وكأنّها تُعيّرني: فاطمة لِمَ لا تخرجي مع صديقاتك؟!، وتذكرتُ ليالي الصيف الخالية إلا من جدتي وشريط صباها للمرة الخمسين

زفرتُ زفرةً حارة:
-
حسناً يا فاطمة، عليكِ أن تعترفي أنتِ وحيدة .. وحيييدة تماماً، وتمثيليةُ الصباح كدتِ أن تُصدّقيها !

ثم تداركتُ دمعةً حارة حرقتْ كبريائي ورفعتُ اليدّ الأخرى للنادل:
-
واحد عصير برتقال لو سمحت!

العيد خذلني يا أمي. صلاةُ تكبيرات وملابس بألوانٍ زاهية لا يعني بالضرورة بداية قصة جديدة. مدينتي شاختْ لأني عندما فرغّتُ نفَسي في بالونٍ وطفقتُ أنثر البهجة بين الجمهور وجدتُني وحدي على المسرح وكأنّ المدينة قد تعدّت سنّ اليأس منذ عشرين عاماً ولم تعُد تنجب أطفالاً! البالون التي كانت مكتنزة بنفَسي والفرح وضجيج الأرز الذي أزرعه داخلها كيّ تزعج الجيران، بدأت تنكمش في ثاني أيام العيد، وفي الثالث بدَتْ أصغر وكأنها العد التنازلي للفرح !

الفيلم الذي قررتُ قضاء صباحي في مشاهدته أغراني بممثلٍ وسيم وخذلني بنهاية غبية ! أبي الذي أتوسّل إليه: أريد أن أخرج، ويقول لي: أريد أن أنام ! الرواية التي احتضنتها وهمستُ في أذنها: أعتمد عليكِ في تعديل مزاجي، كانت ملقاة على نافذة في الزاوية بانتظار الراوي كي يُصلح خدشاً أصابها فاهترأت . آه نسيت، أنا ابنةُ مدينةٍ صارمة تُربّي أولادها منذ الصِغَر على الاعتماد على النفس، ولا تفرّق بين رجلٍ يقود سيارة وامرأة تركب المواصلات !

هل أخبرتكِ عن عامل التوصيل الذي أحضر الغذاء بَعْد 3 ساعات ؟ لقد وقف أمام الباب وهو يلهث: آسف آسف خذلني الطريق والزحام والناس !

ومع ذلك أنا سعيدة، سعيدة جداً لأنّ الله لم يخذلني .. المدينة التي كتبتُ فيها قصائد وابتهلتُ إلى الله بأحلامي كثيراً أن يدقّ جرس العيد وأنا بين رحابها .. كانت وكان العيد.

**

أنا الفتاة التي ولدتْ في حِجْر حوريةُ بحرٍ، أدناها ذيلٌ يسحبها إلى الماء، وأعلاها ريش يرفعها مع النسيم، لم يخيّبُ الله ظنّي مرّةً ، فلم أسكن في مدينة إلا وكانت ساحلية ..

تُحاول أن ترشيني هذه الفاجرة بحضارة مدينتها وأصوات الأبواق التي توقظ الشوارع يومياً مثل منبّه !، تُحاول أن تسحبني إلى مكانها وتغريني: سآخذكِ إلى .. وإلى .. وإلى النادي الفلاني !

تقولها هكذا بكل وقاحة، وتنسى أنّ شقاوة طفولتي كلها مخبئة تحت أرصفة نادٍ آخر، وأنّه لا مجال للمقارنة أبداً بين مدينة تحجب ناطحات السحاب سماءها، ومدينتي التي توشوشني في أذني كل صباح، وحواريها التي تنفض أغبرتها بمجرد أن تراني ،

والأهم هذا البحر الذي يقطن بجوارنا ويؤدّي حق الجيرة ..

إنها مدينة تعرفني كما أعرفها تماماً، لأنها حلقة الوصل الرئيسية بين ذكرياتي، عندما أتخلى عنها فأنا ألقي بالجزء السليم من ذاكرتي في حاوية القمامة و أمشي كمجنون خرج لتوّه من المشفى بعد حبسٍ طويل !

وهذه الفاجرة لازالت تغريني: لدينا ولدينا ولدينا .. !

كيف تريد سلخي من ذاكرتي بكل هذه البساطة؟! ليذهب كل ما لديها إلى الجحيم.

العواصم تُناديني يا أمي .. لا أريد أن أجيب .

**

أنا المصفاة المعدنية التي تصفّي مع كل صدأةٍ صديق ..

وها أنا أخيراً خفيفة ، مجوفة .. وغير صالحة للاستعمال .

كان عليّ أن أصبر قليلاً وأصفّي الأخير: بَعْد العيد !

**

عندما عدتُ لعنتُ التغيير والمدنية، لقد بدّلت الشوارع ثيابها وبدأت تضع مساحيق التجميل ! لم أعرفها .. ولم أجد طفولتي التي تعبتُ من البحث عنها وحلمتُ أنها مخبّئة تحت الشجرة الثالثة في هذا الشارع! الشجرة التي كنا نتسلّقها صغاراً لاذت بجلدها وهربتْ قبل أن تتحوّل إلى شجرة كريسماس اسمنتية ! جيراننا الذين كان حيّنا ينام على قصصنا المتبادلة من “البلكونة”، قرروا تحويلها إلى غرفة صغيرة لابنهم الأكبر “الدكتور” ، هذا الدكتور الذي فجعني ببوقه والغابة التي نمتْ في كل جسده والبرج الذي يختبئ فيه كلما رآني! أحقاً أنتَ الدكتور؟! أنتَ الطفل الذي كان يباغتني ويقفز فوق ظهري ويقول: اقذفيني إلى الله، أريد أن أتأرجح هناك وأفتخر أمام أصدقائي بقصة حقيقية عن الجنة لم تلفّقها لي أمي!

**

وإنّ حياتي كهذا التريكو الذي تخيطه أمي مُذ بدأت أصابعها بالنمو، بلا أدنى مَلل، لا تطيعها الخيوط ولا تعاقبها ببيعها ليدِ رجلٍ خشنة! كانت دائماً تبدأ من جديد وهي تقول: هذه المرة سأنجح ، وسأرتديه وأعلّق صورتي بجوار جدّي فوق المدفئة .

*عيد الفطر الماضي

إلى سائق الحافلة …

آخر مرةٍ ركبتُ فيها معك كنتَ تشكو لي ارتفاع الحُمّى ، قلتَ أنّ أمك قد توحّمتْ على رحلة بالحافلة ولم تنالها ، لذا خرجت ملعوناً بقَدَرِ أن تكون سائقَ حافلة ومريضاً بحُمّى الانتظار ! حتى أنهم خصصوا لك مواقف للـ انتظار فكانت الأولى من نوعها ! بامكانك أن تعدد لي أنواعاً شتى له .. وأن تكتب أنتَ الذي لا يجيد القراءة والكتابة قصيدة عن عذاب الانتظار .. عن قسوة شمس النهار ورعب الليل الموحِش ، عن أكثر المدن احتراماً للمواعيد وأكثرها فوضوية، دائماً تحمل حقيبةً ثقيلة على كتفك لتكون شاهدةً على عدد الذين قد انتظرتهم والبقية تخبئهم في قلبك .. كل مرة أراكَ فيها أجد كتفكَ الأيمن أكثر سقوطاً .. انتبه يبدو أنك ستفقده بعد أن فقدت الكتف الأيسر ذات مرة سئمت فيها من انتظار الميكانيكي وقررت تغيير الإطارات !
أصبحنا صديقين منذ أن أمسكتني وأنا طفلة تتعثّر على سلم الحافلة ، لا أذكر أني اقتربتُ منك كثيراً ، ولكني من يومها مصابة بالعدوى .. الانتظار أكثر الأشياء التصاقاً بي، صادقتُ الموانئ والمطارات التي لا يصل إليها أحد، رجلي امتلأت بالحروق .. أحتفظ بعلبة مناديل في حقيبتي رغم أني لم أعُد أبكي .. أشعر بجمرِ الزمن يتقلّب فوق ظهري الذي بدأ بالانحناء والتحودب ، سينتهي بي الأمر عجوزٌ في العشرين
!
منذ الطفولة وأنا أنتظر انتهاء أمي من عملها كي نتنزّه ، أنتظر عودة أبي بحلاوتي المفضّلة، أنتظر صلاة التكبيرات وفرحة العيدية، أنتظر عودة الباعة من الصلاة كي أشتري الباربي، أنتظر يوم المدرسة الأول للتعرف على فصلي وزميلاتي الجدد ، أنتظر يوم ولادة قطتي، أنتظر أن تنطق أختي الصغرى، أنتظر أن أكبر لأتخرج وأبلغ الثامنة عشر كي أُخرِج بطاقة، أنتظر عودة المسافر من غيابه، أنتظر انتهاء الحروب اللعينة، أنتظر العمّال حتى ينتهوا من غرفتي ، أنتظر اتصاله .. زيارته .. اعتذاره
….
هل عليّ أن أخبرك كم مرة خذلني القدر ؟ كم مرة ماتوا في الطريق؟ أو قرروا فجأة تغيير اتجاههم إلى غير رجعة ؟ عدد الليالي التي نمتُها عند عتبة الباب ؟ في الليالي الباردة عندما يأتي اتصالهم بارداً ومقتضباً بـ لا لن نأتي .. كنتُ أخرج مهرولة بلا مظلة أصرخ بأسمائهم .. وما ألبث أن أتعثّر وأغرق في قطرات المطر
..
انتهى زمن الانتظار يا عزيزي ، لم يعودوا يأتون ! لم تعد الريح تحرّك بسطهم السحرية في اتجاهنا
..
المرأة التي رهنت عمرها للانتظار ، واستبدلت الأبواب بالنوافذ وملأت غرفتها بهدايا اشترتها مع كل مناسبة أملاً في مفاجآتِهِم بها يوم عودتهم
.. ماتت وحيدة منتحرة من نافذة غرفتها الموحشة، بعدما تركتْ رسالة كتبتْ فيها: اعذروني لأنّ عمري كان أقصر من غيابكم !

إلى سائقِ حافلةِ طريقِ المدينة الواقفة هناك عند الرصيف الشرقي..
إلى سائق الحافلة التي تحمل ساعي البريد على فخذها وتبعثر الرسائل مع كلّ منعطف
:
أغلق الأبواب .. افتح النوافذ .. اضغط على البنزين بأقصى قوة كي تطير إلى الله
..
لا تنتظر أحداً
..
لا تنتظر أحداً
..
لا تنتظر أحداً

إلى مدوّنتي

April 27, 2008

وأتخذ منكِ مستقراً وملاذاً إلى حيـن .