(2)
March 15, 2009
عزيزي مستلم الرسالة ،
أنا سعيدة لأنك لا تعرفني، إذ يمكنني الآن أن أعلن عقدي ومخاوفي، وزواج أبي الثاني الذي اكتشفته صدفةً، وأمي التي تقضم أظافرها ليلاً، وجدّي المصاب بالإيدز .. إني أخيراً أستطيع الحديث بحرية بعيداً عن إطار النظرة الاجتماعية المذهّب!
إن أسماؤنا عورة يا سيدي، كلنا عورة وبحاجة إلى ستر في زمن لا يعرف أبواباً للحمامات! أنا أغطي وجهي منذ سنة، لا لأمور دينية بل لأن وجهي شفافاً جداً! يستطيع بائع الخضار أن ينظر إليه ويقول: لقد تشاجرت مع زوجك في الثانية عشر ظهراً!
متى أستطيع التحرك بخفة الحاضر بعيداً عن ذاكرة الناس وفضولهم وشفقاتهم وثرثرات النساء في الهاتف؟
أنا مهووسة بالكتمان، وأحلم دوماً أني تلك العارية التي يتطفل عليها الجميع في حين أنها لا تلحظ نفسها إلا بعد فوات الأوان!
أريد أن أختبىء .
كاتبة الرسالة
***
عزيزتي كاتبة الرسالة،
إننا مرضى بالمثالية والصور المؤطّرةالتي يعتني بها الفنانون جيداً قبل أن يخرج بها إلى الضوء، وكأن خروجنا للضوء هو “مزاد” نبحث فيه عن أعلى سعر لأنفسنا!
عندما كنتُ صغيراً تلقيتُ ضربات حارة وعقابات صارمة من أمي بحجة أن ما أفعله “عيب ومخالف للذوق العام”! من الذي كتب الذوق ومرره على جميع البيوت في لوحة إرشادات الحياة الصحية لجعله “عاماً”؟! إنه كهذا الذي قرر أن عيش في فيلم قديم: الرجال بالأبيض والنساء بالأسود! كم هو قاتل للخيال والرغبة في الحياة؛ أن لا نرى للحقيقة إلا وجهاً واحداً!
في منزلي تنقص زوجتي من رجولتي لمجرد أني أتصرف خلافاً لكل الرجال!
ما الذي يمنعني أن أتصرف كما أحب؟ في حين أنها إذا ما قررت أن تترك شنبها عشاً للعصافير لن أهجرها
إننا الطالب الذي يحفظ الكتاب عن ظهر قلب دون أن يتأكد من صحته
الطفل الصغير الذي يخشى من غرفته وهي مظلمة
العامل الذي سوف يظل في وظيفته يغسل الأرضية طوال حياته
مستلم الرسالة
[...] (1) + (2) [...]